يحيى
جاء من صمت قرى الصويرة ليواجه ضجيج الغربة. هو الشجرةُ التي تحاول أن تضرب جذوراً في الرمال. يمثّل الصبر الجميل والوفاء الذي لا ينكسر.
هل ينجح في إنقاذ أحلامه دون أن يفقد روحه؟
رحلةٌ من رذاذ الصويرة إلى قيود الكفالة..
حكاية جيلٍ ضاع بين الحلم والانكسار.
تُجسّد هذه الرواية ملامحَ مرحلةٍ مفصليّة من تاريخ الهجرة نحو الخليج، ولا سيّما بين سبعينيّات وتسعينيّات القرن الماضي، بأسلوبٍ يمزج بين السرد الحيّ والتوثيق الوجداني، في حرارة التجربة وصدقها.
ومن خلال ذلك، تفتح نافذةً على وجدان آلاف المغتربين الذين طاردوا لقمة العيش في أرضٍ لم تكن ترحّب، وسماءٍ لم تمطر إلا صبراً. هذه اليوميّات ليست مجرّد قصّة فرد، إنها فضاءٌ لجيلٍ كاملٍ حمل أحلامه في حقيبة وتاه بين المطارات، ومكاتب الكفيل، وأشواق الأمس.
إنها أيضاً شهادةٌ حيّة على زمانٍ أَجهض أحلاماً وهويّاتٍ كثيرة. هذا العمل ليس فقط نصّاً سرديّاً، بل لوحةٌ إنسانية تتقاطع فيها خيوط العائلة، وتتشابك فيها أسئلة الهوية، والكرامة، والصراع اليومي بين الحلم والواقع.
الهجرة نحو الخليج في تلك العقود لم تكن مجرّد تنقّلٍ للعمل، بل ظاهرةً مركّبة تشكّلت من دوافع اقتصادية وسياسية واجتماعية. فبينما كانت بلدانُ شمالِ أفريقيا تعاني من البطالة وندرةِ الفرص، كان الخليجُ يعيش تمدّداً نفطياً ونهضةً عمرانية، مستورداً اليدَ العاملةَ كما تُستورد الموادّ الخام، دون أن يعترف بالإنسان كقيمةٍ في ذاته.
تُسلّط الرواية الضوء على فلسفة الاغتراب، لا بوصفه انتقالاً مكانيّاً فحسب، بل باعتباره تحوّلاً داخليّاً يمزّق الإنسان بين ما كان عليه، وما يُطلب منه أن يكون. وتكشف، بلغةٍ هادئةٍ ونافذة، كيف جرى استبدال مفهوم «المهاجر» بـ «المكفول»، وكيف انزلقت الروح الإنسانية من سعيٍ مشروعٍ نحو الكرامة، إلى خضوعٍ قاسٍ لمنطق السوق وإكراهات النظام.
في روايته الصادمة «يوميات مغتربٍ في بلاد الكفيل»، يغوص الكاتب عبد الله أبردزّو في المسكوت عنه، ليُشرّح بجرأة أدبية نادرة واقع الاغتراب في الخليج بين السبعينيات والتسعينيات.
الرواية ليست مجرد سرد للأحداث، بل ملحمةٌ وجدانيّة تتبع خطى يحيى الهارب من قبضة الفقر، ومحمد الباحث عن الحقيقة الفكرية، ليصطدما بنظامٍ يحوّل الإنسان إلى مكفولٍ مسلوب الإرادة.
إنها قصة الأشجار التي اقتُلعت من تربتها الأصلية، لتُسقى بماء المال المرّ في رمالٍ لا ترحم — وصرخةٌ في وجه كلّ نظامٍ يسلب الإنسان أغلى ما يملك: كرامته.
لسنا أمام مجرّد أسماءٍ عابرة، بل أمام مرايا تعكس انكساراتنا وأحلامنا وقوّة صمودنا. لكلّ شخصيّةٍ هنا حكايةٌ مقتطعةٌ من لحم الواقع.
جاء من صمت قرى الصويرة ليواجه ضجيج الغربة. هو الشجرةُ التي تحاول أن تضرب جذوراً في الرمال. يمثّل الصبر الجميل والوفاء الذي لا ينكسر.
هل ينجح في إنقاذ أحلامه دون أن يفقد روحه؟
لم يسافر لجمع المال، بل لمطاردة الحقيقة. سكنت الكتب قلبه وسكن التمرّد عقله. حين حاول الكفيل كسر قلمه وتحويله إلى بستاني، فجّر صراعاً وجوديّاً.
بين سحق الكرامة وإرادة الانعتاق.
خمسون عاماً من الغربة لم تزد شعره إلا بياضاً، وقلبه إلا طُهراً. الأب الروحيّ الذي يعرف أسرار بلاد الكفيل كما يعرف رائحة وطنه السودان.
دكتورُ الفيزياء الذي تحوّل إلى سجينٍ منسيّ. يُعلّمنا داخل دار الإيواء أنّ أقسى السجون ليس الذي يحيط بالأجساد، بل الذي يسكن العقول.
من أضواء كامبريدج وباريس إلى فيلّا بريّةٍ معزولة. وثقت بوعود الحبّ، فجَنت زواجاً سرّيّاً وطفلاً يُنتزع من حضنها.
رجل الأعمال الذي باع كلّ شيء ليشتري شراكةً، فاشترى ترحيلاً بالأصفاد. في بلاد الكفيل، تتحوّل الثروة إلى تذكرة ذهابٍ بلا عودة.
مضيفةُ الطيران التي أرادت التحليق، فوجدت نفسها في قفصٍ موصد. صمودُ امرأةٍ حطّمت زجاج الاستبداد لتبني حياةً من ركام الوجع.
الكفيل الذي يجمع بين سطوة المال وازدواجية المشاعر. يمثّل النظامَ الذي يملك الزمان والمكان، ويقرّر مصائر البشر بجرّة قلم.
رجل الحدود الذي يبيع الحريّة في صهاريج الموت. خلف ملامحه القاسية، يختبئ إنسانٌ ينحاز في لحظةٍ فارقةٍ لكرامة الملاحَق.
خاطرت بكلّ شيءٍ لتُخرج محمداً من غرفة الإنعاش إلى طريق النور. تمثّل الجانبَ الإنسانيّ الذي يظهر في أحلك الظروف.
الذي نطق بما خاف العقلاء قوله. صرخته في ساحة المسجد تظلّ الجرسَ الذي يوقظ الضمائر في كلّ فصلٍ من فصول الرواية:
«بشرٌ.. بشر؟ والله ما أنتم بشر!»
خمسةُ مقاطع تُضيء روح الرواية، كنوافذَ صغيرةٍ تُطلّ على عالمٍ كاملٍ من الذاكرة.
كان غروب الشمس يذوب خلف جزيرة الصويرة كقطعةٍ حمراءَ من نارٍ تغيب في صدر البحر. السماء تميل إلى لون الدم القاني، كأنها جرحٌ مفتوحٌ ينزف ببطءٍ في الأفق البعيد.
في الحافلة المتداعية التي تترك المدينة خلفها، جلس يحيى ملتصقاً بزجاج النافذة، يحدّق في الصورة الأخيرة لمدينته وكأنه يريد أن يحبسها في عينيه قبل أن تضيع إلى الأبد.
نحن هنا كالأشجار التي نُقلت من تربتها؛ قد تُسقى بماء المال، لكنها أبداً لن تضرب جذوراً.
نحن نعيش في قاعة انتظارٍ كبرى، والقطار الذي ننتظره قد يمرّ ونحن نائمون من شدّة التعب. عندما وضعتُ جواز سفري في يد الكفيل، شعرتُ وكأنني أسلّمه مفاتيح وجودي كله.
بشرٌ.. بشر؟ والله ما أنتم بشر! صلواتكم مظهر، وإيمانكم كفر! تدّعون الرحمة، وقلوبكم حجر!
أنتم خيرُ أمّة؟ لا والله أنتم أذلُّ الأمم! كبيركم حرامي، وصغيركم ظلامي!
الحياة في أحسن أحوالها لا تتجاوز السبعين عاماً. سبعون سنة! فكّر فيها جيداً... ما الذي يمكن أن نفعله فيها؟ وماذا لو انتهت في لحظةٍ بغتة؟
الأغبياء هم من يجعلون ضباب الغد يحجب شمس اليوم.
الدموع هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها. تستطيع أن تزوّر أوراقك، شهاداتك، وحتى ابتسامتك، لكنك لا تستطيع أن تزوّر دموعك.
إنها اعترافٌ صامتٌ بأنك مجروح، مسحوق، ومُهان.
هذا ليس مجرّد فهرسٍ لعناوين؛ إنه الرسمُ البياني لروحٍ جُرِّدت من هويّتها لتصبح مجرّد رقمٍ في سجلات الغيب. بين دفّتي هذه الرحلة، نقتفي أثر يحيى ومحمد — شابّان حملتهما رياح الطموح من رذاذ الأطلسي في الصويرة، ليلقيا نفسيهما في «قاعة انتظارٍ كبرى» لا تنتهي.
افتتاحيّةُ الرواية كاملةً — لتعيش أوّل خطوةٍ من رحلة يحيى ومحمد.
من رذاذ الصويرة إلى هجير الكفالة
في سبعينيّات القرن الماضي، من بين جيلٍ تمرّد على القيود وعشق الحريّة، خرج يحيى ومحمد؛ شابّان مغربيّان من عالمين متناقضين، التقيا على أرضٍ بعيدة، في بلادٍ لا تعرف معنى الحريّة ولا تؤمن بكرامة الإنسان.
يحيى، ابن قريةٍ نائيةٍ من الجنوب، حلم بالعمل ليُنقذ أسرته من براثن الفقر. أمّا محمد، فابن أسرةٍ ميسورةٍ من مرّاكش، مثقّفٌ سافر بحثاً عن جذور التطرّف الدينيّ تحت غطاء عقد عملٍ رسميّ. شاءت الأقدار أن تجمعهما رحلةٌ واحدة، ليصطدما بجدار الواقع القاسي، وبنظامٍ يحوّل الغريب إلى عبدٍ طيّعٍ في صحراءٍ بلا ظلّ.
كان غروب الشمس يذوب خلف جزيرة الصويرة كقطعةٍ حمراءَ من نارٍ تغيب في صدر البحر. السماء تميل إلى لون الدم القاني، كأنّها جرحٌ مفتوحٌ ينزف ببطءٍ في الأفق البعيد. في الحافلة المتداعية، جلس يحيى يحدّق في الصورة الأخيرة لمدينته وكأنّه يريد أن يحبسها في عينيه قبل أن تضيع إلى الأبد.
تنهّد وقال في سرّه: «مع السلامة يا مدينتي… ربّما أعود، وربّما أرحل بلا رجعة». كانت الحافلة تتمايل كما لو كانت امرأةً عجوزاً أنهكها التعب. وعلى الوجوه ملامحُ انتظارٍ طويل: شابٌّ يحلم بالعمل، فتاةٌ تضمّ حقيبةً جديدة، ورجلٌ يودّع حياةً كاملة.
في صباح الأربعاء، اجتمع الوفد المسافر أمام فيلّا أنيقةٍ في حيّ «كاليفورنيا» بالدار البيضاء. المكان يفيض بالبذخ، لا يشبههم في شيء، كأنّهم نزلوا على كوكبٍ آخر. هناك، لمح يحيى مجموعةَ فتياتٍ في عمر الزهور جرى شحنهنّ كـ«عاملات نظافة»، فأحسّ كأنّ الكلمات صفعةُ قدرٍ لا فكاك منها.
ركبوا حافلة المطار، حيث كان المساعد يجمع جوازات السفر بسرعة، يتعامل معها كأوراقٍ لا تخصّ بشراً.
بعد ستّ ساعاتٍ في السماء، أعلن الكابتن: «درجة الحرارة خارج الطائرة اثنان وأربعون». أغمض يحيى عينيه؛ شعر أنّ الرحلة لم تكن مجرّد انتقال، بل بدايةَ محاكمةٍ طويلةٍ لأحلامه: هل ستصمد أم تذوب كما ذابت خيوط الشفق في سماء الصويرة؟
عند بوّابة الخروج، صفعت يحيى ريحُ الصحراء الساخنة، فتقدّم رجل أمنٍ خليجيّ وجمع جوازات الركّاب بكلّ أريحيّةٍ كأنّما الأمر طبيعيّ، ليجد يحيى نفسه فجأةً سجيناً اختار سجنه بنفسه.
توقّفت السيّارة أمام مبنىً بنّيّ باهت: «فندق اليمنيّ». كان الفندق سجناً بلا قضبان؛ أسبوعان قضاهما يحيى ومحمد تحت إقامةٍ جبريّة، والجوازات محتجزةٌ لدى الإدارة.
لاحظ عاملٌ هنديّ مسنّ حالتهما، فقال بابتسامةٍ حزينة: «يا أولاد، أنا أعرف هذا البلد جيّداً. هنا لا حريّة ولا أحلام، هنا سجنٌ كبير. حين يدخل ختمُ الدخول إلى جوازك، كأنّه حكمٌ قضائيٌّ بأنّك ملكُ الكفيل حتّى إشعارٍ آخر».
صرخ محمد بدهشةٍ عن القانون، فقهقه الهنديّ بسخرية: «أيّ قانون؟ هناك قوانين طبقات: الأجانب من الدول العظمى يعيشون أحراراً، أمّا نحن… فنحن عبيد الكفيل».
أمسك محمد رأسه، وعيناه تائهتان بين اليقين والإنكار، بينما حاول يحيى التمسّك بخيط أملٍ رفيعٍ قبل أن يبتلعهما جحيمُ الواقع القادم.
توثيقٌ أدبيٌّ نادرٌ لنظام الكفالة في حقبةٍ زمنيّة مفصليّة من تاريخ المنطقة.
مواجهةٌ عميقةٌ بين الطموح الماديّ والبحث الفكريّ، بين الحاجة والحرية.
أسلوبٌ سرديٌّ يمزج بين قسوة الواقع وعذوبة الوصف الأدبيّ، نثرٌ يحمل روح القصيدة.
قصّةُ كلّ إنسانٍ شعر يوماً أنه مؤقّتٌ في مكانٍ ما، أو غريبٌ في وطنٍ ليس وطنه.
تقرأ الجريدة الرواية بوصفها استعادةً لذاكرة جيلٍ من المغاربة هاجروا إلى الخليج في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته. تبدأ الرحلة من الصويرة، ويقف الكاتب عند يحيى ومحمد، وجهين لتجربة واحدة، وعند نظام الكفالة الذي يحوّل العمل إلى اختبارٍ للحرية. وتضع القراءة الرواية بين التوثيق والسرد، وتربطها بمسار عبد الله أبردزّو من الشعر إلى الرواية، وتختم بالسؤال الذي تطرحه على الهجرة كلّها: سؤال الكرامة.
«إنّ المتأمّل في أسلوب الكاتب وطريقة حكيه سيكتشف نسقاً منظّماً لسرد مجريات الأحداث بلغةٍ هادئة تنقل ما يقع في صحراء بلا ظلّ كما فضّل هو نفسه أن يطلق عليها، بلادٍ تتحوّل فيها مفاهيم الحرية والإنسانية والكرامة إلى مجرّد خيال أبعد ما يكون عن الواقع.»







تفرد الجريدة صفحةً كاملة للرواية في باب «ملفّ خاصّ». يقرأ الناقد نظام الكفالة لا بوصفه إجراءً إدارياً، بل رمزاً لعلاقةٍ غير متكافئة بين العامل المهاجر والكفيل. تبدأ الحكاية من الصويرة، ثمّ الدار البيضاء والمطار وفضاءات الإقامة الأولى في الخليج، فيصير البحر والصحراء وقاعة الانتظار أمكنةً للعبور والترقّب. ويقف عند يحيى ومحمد، شابّين مغربيّين من خلفيتين مختلفتين جمعتهما التجربة نفسها، قبل أن تنفتح الرواية على عمّ إدريس وليلى وزهرة وغيرهم. وتنتهي القراءة إلى السؤال الذي تتركه الرواية مفتوحاً: ماذا يبقى من الإنسان حين يغادر وطنه بحثاً عن حياةٍ أفضل، ثمّ يجد نفسه مضطرّاً إلى الدفاع عن حقّه في أن يظلّ حرّاً وكريماً.
أصدر مركز الخليج لحقوق الإنسان في يوليوز 2026 تقريراً عن نظام الكفالة وحقوق العمال المهاجرين في دول الخليج. أقرأه هنا بوصفه مبادرةً تستحقّ الدعم، لأنّها تصدر عن منظمةٍ مستقلّة تشتغل من داخل المنطقة ودولها المجاورة، ولأنّها تعترف بما تحقّق قبل أن تسمّي ما بقي. وأقرأه أيضاً بعين من عاش هناك أكثر من ثلاثة عقود، ومن كتب عن ذلك الزمن رواية «يوميات مغترب في بلاد الكفيل».
مركز الخليج لحقوق الإنسان منظمةٌ مستقلّة غير حكومية تشتغل على منطقة الخليج والدول المجاورة. هذا التفصيل ليس شكلياً. النقد الذي يأتي من داخل المنطقة ليس خصومةً معها، إنّه وجهٌ من وجوه الإصلاح. حين يكتب أبناء المكان عن عيوب المكان، فإنّهم يفعلون ذلك لأنّهم معنيّون بمستقبله. لهذا أستقبل هذا التقرير بالترحيب لا بالتحفّظ.
لا ينكر التقرير ما أُنجز. يذكر إصلاحاتٍ قانونيةً مهمّة: توسيع حرية تنقّل العمالة بين أصحاب العمل، وإدخال حدٍّ أدنى للأجور غير تمييزي، وتفكيكاً جزئياً لمكوّناتٍ رئيسية في نظام الكفالة. ومن عاش هناك في السبعينيات والثمانينيات يعرف حجم المسافة التي قُطعت. البداية تكون بالاعتراف بما تحقّق، لا بإنكاره.
الجملة الأهمّ في التقرير أنّ المشكلة لا تكمن في غياب المعايير القانونية، بل في ضعف الآليات المصمّمة لإنفاذها. القانون الجيّد الذي لا يجد من ينفّذه يبقى حبراً على ورق، والنتيجة فجوةٌ في المساءلة. المطلوب إذن ليس نصّاً جديداً، بل انتقالٌ من الإصلاح الشكلي إلى نموذجٍ يقوم على المساءلة. مطلبٌ معقول، ولا أرى فيه ما يسيء إلى أحد.
قرأتُ هذه الصفحات بعينٍ أخرى. النصّ القانوني يصف علاقة، والعلاقة حين تُعاش لا تُقاس بالمواد والفقرات. من يقيم سنواتٍ طويلة في بلدٍ ما، ويخالط الناس في أماكن العمل والسكن والأسواق والإدارات، يصير شاهداً على جانبٍ لا يظهر في التقارير الرسمية. الإحصاء يعدّ الأجساد، والحكاية وحدها تسمّي أصحابها.
وصلتُ إلى الخليج في أواخر سبعينيات القرن الماضي، والتقيتُ عمّالاً وموظّفين قدموا من بلدانٍ عربية وآسيوية وإفريقية. جاء معظمهم بحلمٍ واحد: أن يعملوا بكرامة، وأن يوفّروا لأسرهم حياةً أفضل. نادراً ما تكون الهجرة قراراً فردياً: القرية تجمع ثمن السفر، والأسرة تنتظر الحوالة، والغائب يحمل ديناً معنوياً لا يسقط بالتقادم. وحين يصير العمل شرطاً للإقامة، تُختبر الكرامة لا في مستوى الأجر بل في القدرة على قول «لا» دون أن يفقد الإنسان مكانه. عرفتُ رجالاً شاركوا في بناء أبراجٍ لن يسكنوها، وظلّوا مؤقّتين ثلاثين سنة. المؤقّت حين يطول يصير هويةً كاملة.
عرفتُ أيضاً أشخاصاً عاشوا وعملوا في ظروفٍ جيدة وعادوا راضين عن تجربتهم. الإنصاف يقتضي ألّا نحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ولا القاعدة إلى حكمٍ أخلاقي على بلدٍ أو شعب. المجتمعات الخليجية، مثل غيرها، عرفت تحوّلاتٍ كبيرة، وتغيّرت قوانين العمل فيها على مرّ السنين، ولا بدّ من التفريق بين الماضي والحاضر.
منذ سنة 1978 تقريباً بدأت تتجمّع لديّ مشاهد وحكايات، ورافقتني حتى عودتي النهائية إلى المغرب سنة 2014. من تلك الأوراق وُلدت رواية «يوميات مغترب في بلاد الكفيل»، الصادرة في المغرب مطلع أبريل 2026، والتي شاركتُ بها في المعرض الدولي للكتاب بالرباط.
أعتبر هذا التقرير بدايةً جيدة، وأتمنّى أن يُقرأ حيث ينبغي أن يُقرأ، وأن تتبعه خطواتٌ عملية. التاريخ الإنساني لا يُكتب بالقوانين والقرارات وحدها، يكتبه الناس أيضاً بأصواتهم. خلف الأبراج والطرق والمدن الحديثة تاريخٌ آخر صنعه ملايين البشر الذين غادروا أوطانهم بحثاً عن لقمة العيش: منهم من عاد وفي يده ثمرة غربته، ومنهم من عاد مثقلاً بالخيبة، ومنهم من أمضى أجمل سنوات عمره بعيداً عن أهله. كنتُ واحداً من أبناء ذلك الزمن، وأكتب عنه لا لأدين، بل لأنّ كلّ خطوةٍ نحو حمايةٍ أفضل تبدأ بالاعتراف بما عاشه هؤلاء. وشهادةُ العمر مهما تأخّرت تستحقّ أن تُروى.
عبد الله أبردزّو
متوفّرة في 19 مكتبة عبر 15 مدينةً مغربية، من طنجة إلى الداخلة، أو بالطلب الإلكتروني عبر شراكتنا مع مكتبة الموكار، أو بالتواصل المباشر مع الكاتب.